الشيخ الطوسي
195
التبيان في تفسير القرآن
وقوله " وتخلقون إفكا " أي تعملون أصناما ، وسماها إفكا لادعائهم انها آلهة - وهو قول قتادة ، والجبائي - وقال ابن عباس : وتصنعون كذبا ، وتحقيقه يصنعون على ما يقدرون ، ثم قال لهم إبراهيم أيضا * ( إن الذين تعبدون من دون الله ) * يعني الأصنام * ( لا يملكون لكم رزقا ) * أي لا يقدرون على أن يرزقوكم ، وإنما يبتغى الرزق من القادر على المنع ، وهو الله الرازق . والملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف فيه أتم التصرف ، وليس ذلك إلا لله - عز وجل - على الحقيقة لان له التصرف والقدرة على جميع الأشياء بلا مانع ، والانسان إنما يملك ما يملكه الله ، ويأذن له في التصرف فيه . فأصل الملك لجميع الأشياء لله . ومن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة ، لان العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة . والأصنام لا تقدر على ذلك ، فإذا لا يحسن عبادتها . ثم قال لهم * ( وابتغوا عند الله الرزق ) * أي اطلبوا الرزق من عند الله دون من سواه * ( واعبدوه ) * على ما أنعم به عليكم من أصول النعم ، وأعلى مراتب الفضل * ( واشكروا له ) * أيضا ، لأنكم إليه ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على قدر اعمالكم . فمن عبده وشكره جازاه بالثواب . ومن عبد غيره وكفر نعمه جازاه بالعقاب . ويقال : شكرته وشكرت له يؤكد باللام . فمعنى الشكر له اختصاصه بنفسه من غير احتمال لغيره . ثم قال * ( وإن تكذبوا ) * بما أخبركم به من عند الله ، وما أدعوكم إليه من اخلاص عبادته * ( فقد كذب أمم من قبلكم ) * أنبياءهم الذين بعثوا فيهم وليس * ( على الرسول إلا البلاغ المبين ) * يعني الا أن يوصل إليهم ويؤدي إليهم ما أمر به لكونه بيانا ظاهرا يمكنهم معرفته وفهمه ، وليس عليه حملهم على الايمان . ثم قال * ( أو لم يروا كيف يبدؤا الله الخلق ) * اي ألم يفكروا فيعلموا كيف